من المعروف أنه لا مجال للعواطف في السياسة. فالساسة لا يتخذون مواقفهم بناءً على عواطفهم ومشاعرهم تجاه هذه القضية أو تلك، ولكن بناءً على مصالحهم. هذا الأمر ينطبق على جميع القضايا السياسية بما فيها قضية فلسطين. فعلى مدى عقود، ناصر القادة العرب قضية فلسطين ظاهرياً (أي على الصعيد الإعلامي والدبلوماسي) لأن هذا كان يحقق لهم مصالح سياسية داخل بلدانهم. فالشعوب العربية عاطفية في غالبها، وهي تناصر الفلسطينيين ليس لأن مصلحتها مع الفلسطينيين ولكن لأنها تتمثل معياراً عاطفياً يقوم على العرق و/أو الدين. وعليه، فعندما يتظاهر الحاكم العربي بأنه يساند القضية الفلسطينية، فإن هذا يمنحه شرعية أمام شعبه الذي يتطلع لحل القضية وعودة الحق لأصحابه.
مراعاة هذه المصلحة السياسية الداخلية ومعاداة إسرائيل ظاهرياً تتسبب بإشكالات للحكام العرب على صعيد السياسة الخارجية. فالدول العربية مرتبطة بعلاقات تحالف وتبعية مع الولايات المتحدة الأمريكية. وفي ذات الوقت، فإسرائيل تتمتع بموقع خاص جداً في السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية. وعلى الرغم من تفهم أمريكا للموقف العلني للقادة العرب من إسرائيل، إلا أن عداءهم الظاهري يصعّب القرارات العربية والإسرائيلية والأمريكية في المنطقة، مثل العمل المشترك للتصدي لإيران. فالحكومات العربية وإسرائيل حلفاء في الحقيقة ولكنهم أعداء في العلن! هذا التناقض والعداء العلني يؤدي أيضاً إلى حرمان الحكام العرب من التسهيلات التي يمكن لإسرائيل أن تقدمها لهم داخل أمريكا. وعليه، فقد رأى بعض القادة العرب أن الوقت قد حان لإزالة الشوائب في علاقتهم مع واشنطن وإسرائيل. ولتحقيق هذا، قرر أولئك القادة العرب تطبيع علاقات بلدانهم رسمياً مع إسرائيل. وبالطبع، فهذا سيمنح أيضاً القادة الإسرائيليين مكاسب داخل إسرائيل، وسيعملون بالتالي على "رد الجميل" للقادة العرب المطبعين.
وحتى تتم الصفقة أعلاه، فإنه يلزم القادة العرب تغيير مواقف شعوبهم من القضية الفلسطينية. ولكن كيف يغير القادة المواقف الشعبية العربية تجاه إسرائيل والتي استثمروها طوال عقود؟ كل دولة حاولت حل هذه الإشكالية وفق ظروفها. تملك مصر مثلاً علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل ولكن قطاع كبير من الشعب المصري رافض للتطبيع الحقيقي على الصعيد الاقتصادي والأمني والاجتماعي والثقافي. ولتغيير هذا الموقف الشعبي، لجأت الحكومة المصرية للتركيز على المشاكل الأمنية والاقتصادية التي يسببها الفلسطينيون للدولة، مثل قضية الأنفاق على الحدود مع غزة. الحكومة المصرية ركزت أيضاً على العلاقة بين الحركات الإسلامية الفلسطينية والإخوان المسلمين المصنفين كجماعة إرهابية داخل مصر. ادّعت الحكومة أيضاً أن الفلسطينيين ليسوا جادين في حل قضيتهم وأنهم أثقلوا كاهل مصر بتعنتهم وتفويت الكثير من الفرص وإهدار الكثير من المبادرات المصرية. كل هذا كان بدافع تشويه القضية الفلسطينية في نظر المصريين وتخفيف مناصرتهم لها.
أما في بعض الدول الخليجية (السعودية والإمارات والبحرين وعمان)، فكانت خطة الحكومات مختلفة. حيث ركزت الآلة الإعلامية (سواء التقليدية أو في مواقع التواصل الاجتماعي) على ما صدر من بعض الفلسطينيين من نقد وتعليقات حادة تجاه الدول الخليجية، حتى ولو كانت صادرة من أشخاص عاديين لا يحملون منصباً أو صفة رسمية. كذلك استغلت الآلة الإعلامية الخليجية الشعارات المناوئة وحرق صور بعض القادة الخليجيين أثناء المظاهرات الفلسطينية الرافضة لصفقة القرن، في محاولة لتصوير الفلسطينيين ككارهين للخليج بكل ما فيه. تم أيضاً إبراز تحالف حماس مع إيران، نظراً لكون إيران عدوة للخليج. التركيز على هذه الأقوال والأفعال الفلسطينية كما سبق وأشرت كان لغرض تنفير الشعوب الخليجية من القضية الفلسطينية، وبالتالي رفع العائق في نهاية المطاف أمام تكوين علاقة علنية مع إسرائيل تحسن الوضع السياسي الإقليمي للحكومات الخليجية وتفتح لها بعض الأبواب الموصدة في واشنطن.
وفي الحقيقة، ما يقدمه الإعلام المذكور أعلاه لتنفير الشعوب الخليجية من دعم القضية الفلسطينية لا يعدو عن كونه مبررات هزيلة وتافهة، ومن المفترض أن لا تؤثر هذه المبررات في أي شخص يتمتع بالقليل من الحياد والاستقلالية. فليس كل نقد أو كلام حاد يأتي من أطراف خارجية هو خاطئ بالضرورة، فربما يكون وجيهاً وله مسوغاته المعقولة. كما أن تلفظ أفراد من الشعوب على حكام دول خارجية وحرق صورهم لا يؤثر على العلاقات الدولية ولا يغير العلاقات الاستراتيجية. ولقد رأينا مظاهرات غربية مثلاً ضد حكام خليجيين تصفهم بأقبح الأوصاف وتحرق صورهم وتشوه أشكالهم. ولم يقتصر الأمر على المواطنيين أو الصحفيين الغربيين، بل رأينا سخرية وتندر من شخصيات غربية رسمية، مثل الرئيس الأمريكي الأسبق ترامب الذي قال الكثير في السعودية وحكامها، وكذلك تصريحات لكثير من أعضاء البرلمانات الأوروبية ضد دول الخليج وانتقادهم لملفها في حقوق الإنسان ووصفهم لحكامها بالمجرمين. ومع كل هذا، لم تقم الحكومات الخليجية باستغلال تلك المشاهد والتصريحات لتحريض شعوبها ضد الدول الغربية.
والسؤال هنا هو: هل ستنجح مساعي الحكام المطبعين والساعيين للتطبيع في تغيير مواقف الشعوب العربية تجاه فلسطين؟ يمكنني القول أنها ستنجح إلى حد ما، وخاصة في الدول الخليجية التي لا يوجد فيها أي صوت يمكنه معارضة التوجهات الحكومية من الداخل ولو تلميحاً. ونحن نرى ملامح هذا النجاح في الإمارات مثلاً، التي سعت حكومتها بعد التطبيع الرسمي إلى تغيير نظرة شعبها لإسرائيل، وفتح كافة أبواب التعاون الاقتصادي والاجتماعي والفني، ناهيك عن التعاون السياسي والأمني القائم سلفاً. الوضع مؤهل للنجاح أيضاً في البحرين وعمان. ولكن ربما أن النجاح يكون أقل محدودية في السعودية، وذلك لمكانتها الدينية التي تحتم على حكامها وصناع القرار في واشنطن التفكير ألف مرة قبل المبادرة لتطبيع رسمي أو شعبي مع إسرائيل. حيث ستتم الموازنة بين المصلحة في بقاء السعودية حاملة للواء السنة في العالم الإسلامي وبين مصلحة تطبيعها مع إسرائيل. وأظن أن المصلحة الأولى أكثر وأطول فائدة من تطبيع سياسي قد يمر بشهر عسل قصير ثم تعصف به أي خصومة طارئة!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق