الاثنين، 7 يونيو 2021

استعراض كتاب براهين النبوة (المقالة ٢)

استعرضت في مقالة سابقة على مدونتي هذه مقدمة كتاب «براهين النبوة والرد على اعتراضات المستشررقين والمتنصرين» لمؤلفه د. سامي عامري. وفي هذه المقالة، سأقوم باستعراض الباب الأول من الكتاب.

اختار المؤلف عبارة «مدخل إلى اختبار صدق الإسلام» كعنوان للباب الأول. أعجبني العنوان، وتساءلت: هل سيختبر المؤلف صدق الإسلام فعلاً بحيث يحاول البرهنة على جميع ادعاءاته من وجهة نظر شخص غير مؤمن بالدين ابتداءً؟ لنرى!

في تمهيد الباب الأول، وضع المؤلف عبارة "صلى الله عليه وسلم" بعد "نبيّ الإسلام." يُفترض أن هذا الكتاب موجه لغير المسلم أو للذي عنده شكوك قوية حيال هذا الدين. كان من الأفضل أن يلتزم المؤلف بالحياد ويمتنع عن عبارات التفخيم والتبجيل للنبي إلى حين إثبات صدق نبوته على الأقل. ولكني لن أتوقف عند هذا كثيراً، كون المؤلف قد صرّح في مقدمة الكتاب أنه غير محايد أصلاً.

افتتح المؤلف الفصل الأول من الباب، والذي عنوانه "الحاجة إلى النبوة"، بالجملة القرآنية {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ}. هذه الجملة جعلتني أتساءل: إن كان النور منحة إلهية، فما الحاجة لهذا الكتاب بحسب هذه الآية؟ سيجعل الله لمن يريد نوراً، فيؤمن وينتهى الأمر!

ابتدأ المؤلف الفصل بالتذكير أن للكون خالق عالم وحكيم، ثم قال: "تتشوف النفس بحس البداهة وهاجس الشوق إلى معرفة غاية الخالق من إنبات الإنسان في الأرض." هذا تعميم من غير سند! فمن أين للمؤلف أن النفس البشرية تتشوف إلى معرفة غاية الخالق؟! غالب الناس مشغولون بمعايشهم وحياتهم اليومية ولا يبالون كثيراً بالأسئلة الوجودية التي ينشغل بها الفلاسفة ورجال الدين كثيراً. وللتدليل على هذا يمكننا النظر إلى المجتمعات الوثنية أو الملحدة في العالم أجمع. ففي الصين وشرق أوروبا التي خضعت للحكم الشيوعي، بقي أكثر الناس على إلحادهم ولم يظهر عندهم الفضول لمعرفة "غاية الخالق من خلق الإنسان." هذا دليل على أن هذه الحاجة ليست قائمة، ولو كانت قائمة لظهر من يحاول سدها. وحتى لو فكر البعض في هكذا أسئلة، فإنهم سيأخذون بما هو شائع في ثقافتهم ويمضون. فالإنسان ابن بيئته، وهو ينشأ متقبلاً لما تلقنه من عائلته ومجتمعه. والدليل على هذا أن الإجابات التي يقدمها الإسلام على الأسئلة الوجودية لا تُقنع الناس في كل مكان. فلو ذهب أي مسلم إلى مجتمع غير إسلامي وأخبرهم بوجود الله وأنه أرسل محمداً وأنه يطلبهم عبادته وأنه سيحاسبهم بعد موتهم، فهذا الطرح بمفرده لن يكون مقنعاً، ولن يتحول الناس إلى دين الإسلام بعد سماعه.

انتقل المؤلف في الصفحة ٢٥ إلى الحديث عن سبل التواصل بين الإله والخلق. ووضع لذلك احتمالين: اصطفاء نبي يخبر الناس برسالة الإله، والاحتمال الآخر اجتهاد ذاتي كما عند الغنوصيين أو القائلين بالعلم اللَدُنيِّ. ولأن المؤلف يريد التأكيد على الاحتمال الأول (النبي) فإنا نجده يبدأ مباشرة بذم الاحتمال الثاني! حيث يقول عن الغنوصيين: "وهنا يستغرق المرء في ذاته ولذاته لعلّه -في ظنّه- يقترب من الذات المطلقة". وبعد ذلك بعدة جمل يقول المؤلف في الصفحة ٢٦: "شاع بين الغنوصيين" ويبدأ في نسبة ما يريده إليهم دون إحالة أو استشهاد بمراجع! هنا نلمس محاولة المؤلف بناء رجل القش الضعيف الذي يريد هزيمته لاحقاً! لقد كان على المؤلف استقصاء أحوال الغنوصيين أو إيراد مصادر تؤكد ما ينسبه إليهم، ثم نقد ذلك نقداً موضوعياً. أما الاكتفاء بقول "شاع عنهم"وذم ما هم عليه وفق نظرة المؤلف الشخصية، فليس بمقبول.

بعدما ساق المؤلف جملة من الاتهامات للغنوصيين، حان وقت تحطيم رجل القش الذي بناه! حيث كتب يقول: "ودعوى الغنوصيين بادية الفساد لأنها لم تقدّم على هذا الطريق برهاناً." ولنا أن نتساءل هنا: هل قدّم الأنبياء براهين على دعواهم؟ لنرى ما الذي سيجبنا به المؤلف!

يستمر المؤلف في نقد الغنوصية ويقول عنها: "فقادتهم إلى نهايات وعقائد متنافرة"! إن كان هذا دليلاً على بطلان الغنوصية عند المؤلف، فهو أيضاً دليل على بطلان النبوة! لأن النبوات كذلك قادت الناس -في منطقة الشرق الأوسط حيث عُرِفت- إلى نهايات وعقائد متنافرة. تنافر الديانات النبوية لم يكن بين بعضها البعض فقط، بل حتى داخل الديانة الواحدة، مثل التنافر بين السنة والشيعة. ومن جهة أخرى، هل يقصد المؤلف أن الغنوصية لابد أن تؤدي إلى دين طقوسي كاليهودية أو الإسلام وإلا تكون باطلة! هناك أديان أسسها الرهبان والمنعزلون، كالبوذية والكونفوشسية، وقد دعت إلى المحبة والعدل وحسن معاملة البشر والحيوانات والطبيعة. هذه صفات مشتركة بينهم، وهذا هو الحق عندهم وإن اختلفت طرقه.

يستمر المؤلف في نقد الغنوصية في الصفحة ٢٦ ويقول: "أنها تخالف في كثير من أوجهها بداهات العقول وما تطمئن إليه النفوس." وأنا أتعجب من استخدام هذه العبارة في محاولة إبطال أي شيء! فهذه عبارة عائمة وغارقة في النسبية التي لا تدل على أي شيء! فمن هو المرجع أو المعيار في تحديد "بداهات العقول وما تطمئن إليه النفوس"؟! ذائقة المؤلف أم القارئ أم من؟! لن يوافق المؤلف على رأيه هنا سوى من يشاركه معتقداته سلفاً، أما المخالفين مثلي فلن يجدوا هنا أي حُجّة.

يأخذ المؤلف في ذات الصفحة على الغنوصيين استخدامهم "عبارات غامضة" مثل "شطحات الصوفية" بحسب تعبيره. المشكلة أن القرآن مليئ أيضاً بالعبارات الغامضة. ولولا جهود المفسرين في وضع معاني للكثير من عبارات القرآن، ثم استقرار تلك التفسيرات وشيوعها بين الناس، لما عرف الغالبية ماذا يريد القرآن! فهل سيوجه المؤلف نقده للقرآن أيضاً كما وجهه للغنوصيين بسبب استخدام العبارات الغامضة؟ لا أظن ذلك! أيضاً، استخدام المؤلف للصوفية كمثال على خطأ الغنوصيين يُظهر لنا عجزه عن التخلص من طائفيته حتى وهو يناقش فكرة النبوة التي يؤمن بها الصوفيون! يبدو أن المؤلف يخاطب أتباع طائفته -أظنه سلفياً- بكتابه هذا ولا يخاطب منكري الأديان!

بعدما فرغ المؤلف من نقد الغنوصيين، انتقل في الصفحة ٢٧ إلى نقد الفلاسفة الذين يقولون بالمعرفة الَّلَدُنِّيَّة العقلية دون الحاجة للرهبنة والانعزال. كان أول نقد وجهه للفلاسفة قوله: "لم يجتمعوا على فكرة واحدة دون معارضة." ولنا أن نتساءل هنا: وهل اجتمع أهل الأديان الرسالية على فكرة واحدة دون معارضة؟! انظر لاختلافات تلك الأديان والمذاهب والطوائف في قضايا اللاهوت والتشريع والسياسة والاجتماع والاقتصاد وكل شيء تقريباً. بل افتح التفاسير وشروحات الحديث وكتب الفقه السنية مثلاً وقم بإحصاء عبارة "اختلف أهل التأويل" أو "اختلف العلماء"!

ينتقد المؤلف العقل بسبب عدم قدرته على إدراك ما "هو وراء العالم"! عجيب هذا الكلام! كيف تيقن المؤلف أن هناك "ما وراء العالم" حتى يدركه العقل أو لا يدركه؟ العقل يتعامل مع الوجود وما يمكن إدراكه مباشرة بالحواس أو غير مباشرة بالقياس مثلاً. فكيف ينتقد المؤلفُ العقلَ على عدم إدراك غيبيات وخيالات يعتقد بها المؤمنون فقط وليس لها أثر في الوجود؟!

يأتي المؤلف بباقعة جديدة عندما يتهم العقل بالعجز "عن إصابة تفاصيل حقائق التشريع والسلوك"! وأقول إن العالم قديماً وحديثاً يعج بالدساتير والتشريعات والقوانين والسلوكيات. ولقد بلغت الكثير من الحضارات مبلغاً عظيماً في هذا الأمر، فاستتب فيها الأمن وشاعت الحريات ونال فيها الناس رفاه العيش وتطور العلوم ونماء الفنون. هذا دليل على قدرة العقل على "إصابة تفاصيل التشريع والسلوك" خلاف ما يدّعي الكتاب. المؤلف هنا يُقحِم معتقداته المسبقة ويحاول تسويقها على أنها حجج!

ونستمر في الصفحة ٢٧ حيث استشهد المؤلف بكلام للفيلسوف جان جاك روسو عن الوجود ومعرفة الناس به. كان يجدر بالمؤلف الاستشهاد بكلام فلاسفة أو علماء معاصرين، إذ ليس جميع ما قاله جان جوك روسو وقرره في القرن الثامن عشر صالح في القرن الحادي والعشرين. معارف البشر وخبراتهم تطورت كثيراً. نحن اليوم نعرف كثيراً عن الكون!

بعد الانتهاء من عبارة جان جاك روسو، وضع المؤلف عنواناً فرعياً باسم «النبوة .. حبل النجاة وطريق الفهم». لقد قطّبت حاجبيَّ وزممت شفتيَّ وأنا أقرأ هذا العنوان الفرعي! يبدو أنني اخترت الكتاب الخطأ! هل المؤلف يخاطب غير المؤمنين ويحاول إقناعهم، أم يخاطب المؤمنين ويحاول الحفاظ عليهم؟! أقول هذا لأن هكذا عنوان يصلح في خطبة جمعة وعظية وليس في سياق المحاججة.

مباشرة تحت العنوان الفرعي أعلاه، كتب المؤلف: "لم تقدّم نماذج الرياضة النفسية." هذه المرة الأولى التي يرد فيها ذكر "نماذج الرياضة النفسية" في الكتاب! فما هي هذه النماذج؟! كان يجدر بالمؤلف تعريفها ومناقشتها قبل الاحتجاج بها!

عاد المؤلف للتذكير بأن الغنوصيين "طرائق قدداً لا يكاد يجمعهم مذهب محدد الأصول" وأن عقل الفيلسوف "في حقيقته عقول [مختلفة]"، وبناءً على ذلك، فالإنسان لا يستغني عن المدد الإلهي! أنا في الحقيقة عجزت عن فهم الرابط بين كون الغنوصيين والفلاسفة مختلفون وحاجة الإنسان للمدد الإلهي! ولكن المؤلف لم يترك القارئ لهذه الحيرة وبدأ في سرد أسباب حاجة الإنسان للمدد الإلهي. فلنرى أسبابه!

السبب الأولى الذي ساقه المؤلف في الصفحة ٢٨ هو عجز العقول عن إدراك الكثير من القضايا مثل "البعث والنشر والحساب"! والسؤال هنا: كيف جعل المؤلف هذه القضايا حقائق ثم قرر أن البشر يحتاجون معرفتها؟! هل ناقشها في كتابه الأول؟ ربما! دعنا نتجاوز هذا الأمر الآن. المؤلف يذكر هذه القضايا في سياق تدليله على حاجة البشر للأنبياء. حسناً، إن كان هناك خالق عالم وحكيم بحسب ادعاء المؤلف، فبإمكانه جعل معرفة هذه الأشياء تنبع من ذات الإنسان وعقله، أو من "فطرته" بالتعبير الديني. فالخالق عند المؤمنين كلي القدرة، وبالتالي فليس مضطراً إلى بعث نبي لتعليم الناس هذه القضايا. ويمكن للإنسان قبول هذه الأشياء أو رفضها بحسب تفكيره وما يرتضيه لنفسه. في الجزء الأول من كتابي «شذرات من دين محمد» وصفت ديناً مفترضاً للإله الحكيم، وهو يقوم على معرفة لَدُنِّية يلقيها الإله في رَوْعِ الناس. هذه المعرفة تقوم مقام النبوة وتتجاوز المشكلات الزمانية والمكانية والثقافية التي يعاني منها الأنبياء.

السبب الثاني الذي يورده المؤلف لحاجة البشر للمدد الإلهي هو حاجة العقل لدلالته وإرشاده في الأمور المختلفة والمتشابهة. وأنا أتساءل: هل هذه الدلالة قهرية بحيث يذعن لها الإنسان إذعاناً، أم أنها اختيارية يمكن قبولها ورفضها؟ بالطبع هذه الدلالة ليست قهرية، لأننا نرى أن هناك من يؤمن وهناك من يكفر بالدين. إذاً، هذه الدلالة اختيارية. فإن كانت اختيارية، فإنه يلزمها حرية الفكر والاختيار. فالمؤلف كرر كثيراً أن عقول الناس ليست سواء، وعليه يكون من الظلم معاقبة من لم يقتنع بدعوة الأنبياء. وإن ارتبط الأمر هنا بالتهديد والوعيد، فإنه لا يعود إقناعاً عقلياً، وإنما استثارة عاطفية وتحفيز للخوف ليس إلا.

السبب الثالث لحاجة الناس للمدد الإلهي بحسب المؤلف هو عجز البشر عن تنظيم معايشهم وحقوقهم وواجباتهم ودفع الخصام بينهم. أقول: التجربة والواقع يشيان بخلاف هذا! يمكن عمل استعراض مجمل للمشكلات والأزمات في تاريخ الإسلام وواقع المسلمين، ومعرفة فشل الإسلام في تنظيم حياة الناس ومنحهم حرياتهم وحقوقهم السياسية والاقتصادية والمجتمعية. كما يمكن النظر لواقع أمم كثيرة اليوم وقد بلغت درجة عالية من حسن التشريع وأنتجت رفاهية وأمن دون الحاجة للإسلام.

كتب المؤلف ما يلي: "وإلا فالبديل هو شريعة الغاب وسطوة القوي الغاصب"! وأنا لا أدري كيف يكتب المؤلف كلاماً كهذا وكأن تاريخ الأديان، والإسلام خصوصاً، قد خلا من الحروب والغزو وسفك الدماء واغتصاب النساء والأراضي والممتلكات!

في نهاية الصفحة ٢٨ يورد المؤلف كلاماً معيباً لابن تيمية يقول فيه: "ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل المنافع والمضار في المعاش." أقول: الكثير من تشريعات الرسالة التي يتحدث عنها ابن تيمية قد تم تعطيلها اليوم بسبب المضار التي تسببها! فأين منافع الخلافة وجهاد الطلب وأخذ الغنائم والسبي والرق والصلب والقطع والجلد والرجم إلخ.؟! كل هذه وغيرها تشريعات تخلى عنها المسلمون اليوم قولاً وعملاً، أو توقفوا عن تطبيقها عملياً على الأقل.

يقول المؤلف في الصفحة ٢٩: "إن الحاجة إلى النبوة ضرورة لجبر نقص العقل"! يقفز المؤلف قفزاً في تقرير ما يريده دون تقديم حجج مقنعة! فما هو نقص العقل الذي يعنيه؟ الواقع يقول أن النتاج العقلي للكثير من الأمم غير المسلمة أفضل من النتاج العقلي للأمم الإسلامية، سواء في الطب والدواء أو العلوم والمخترعات أو الفنون والاقتصاد أو التشريع والقانون. والواقع أيضاً يقول أن المسلمين اليوم يسعون للهجرة زرافات ووحداناً إلى بلاد الكفر والكفرة! فأين هو نقص العقل الذي جبره الدين بينما حال المسلمين على ما نرى؟! ومن جهة أخرى، فإن غير المؤمن يرى النبوة من نتاج العقل البشري وليست شيئاً أعطاه الإله للبشر. فكيف يقرر المؤلف هنا أن النبوة ضرورة لجبر نقص العقل وهو لم يبرهن على أنها من عند الإله ابتداءً؟!

يقرر المؤلف أن النبوة "توسع الآفاق الضيقة للعقل." ربما هذا صحيح في مجال تأليف القصص الخيالية. فالكثير من الروايات والأفلام اعتمدت في أفكارها على عقائد دينية، مثل الجن والعفاريت والسحرة والملائكة والشياطين والمعجزات! يقول المؤلف عن النبوة أيضاً: "ويروي ظمأ النفس إلى إدراك ما ينأى عن الفهم"! إذاً، وبحسب كلام المؤلف يصبح ما يختاره الأنبياء من تشريعات، أو ما يختاره رجال الدين من بعدهم، هو مما يدركه العقل بعدما استعصى عليه الفهم! في الحقيقة، يبدو أن المؤلف قد أصاب هنا! فتقييد الزانية المحصنة ورجمها بالحجارة حتى الموت أو قطع يد ورجل المجرم من خلاف وصلبه هو فعلاً مما ينأى عن الفهم!

يستمر المؤلف في تعداد أسباب حاجة البشر للمدد اللهي، ويورد في السبب الرابع قوله: "لكن الرسالة الواردة من الخالق والمخبرة عنه بكلامه الجليل أوسع كشفاً." المسلمون وحدهم من يدّعي أن كتابهم المقدس كلام الله نصاً بحروفه. إذاً هذا الادعاء الذي ساقه المؤلف هنا لا يمكن تعميمه على جميع النبوات.

السبب الخامس عند المؤلف هو: "أن النفس سريعة الميل إلى الهوى وفيها بذرة الكبر." لا أدري ما الحاجة للنبوة هنا! يمكن تهذيب النفس من غير نبوة، عن طريق التربية الحسنة والتعليم الجيد والتوعية والإرشاد والنصح وغيرها من أدوات التأثير في المجتمعات والأفراد. وإن واقع كثير من المجتمعات غير الإسلامية يشهد على ذلك. فكثير من غير المسلمين يتحلّون بالصدق والأمانة والتواضع. ولك مثال في صناعات العالم الأول وحرصهم فيها على الجودة، والتي تشير إلى حس عالي بالأمانة والمسؤولية الأخلاقية.

السبب السادس بحسب المؤلف لحاجة البشر للمدد الإلهي هو: "إقامة الحجة على الخلق." وأتساءل هنا: كيف لرسول محدود الزمان والمكان يتحدث بلغة واحدة أن يكون "أعدل في تنبيه الخلائق على تنوع فيهم وتباين"؟! الرسول بهذه الصفات لا يستوعب تنوع الناس وتباينهم، وبالتالي فهو علامة على ظلم الإله وليس عدله. استشهد المؤلف على هذا السبب بالعبارة القرآنية: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولً}. حسناً، لو افترضنا وجود الآخرة، فإن الكثير من الأمم ستحج الله يومئذ وتقول له: أنت لم ترسل إلينا رسولاً. الصينيون والهنود وسكان سيبيريا وألاسكا واستراليا ووسط وجنوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية والجنوبية وغيرهم! (المسلمون يحاولون الخروج من هذه المعضلة ويدّعون "أنا ما من أمة إلا وقد خلا فيهم رسول" ولكن هذا الادعاء لا توافقهم عليه الأمم الأخرى).

السبب السابع هو: "تأييد النبي بالخوارق أدعى للقبول." أقول: الخوارق -إن وقعت- فهي تلزم من حضرها وشهدها. أما من سمع عنها عن طريق روايات تاريخية بعد مئات وآلاف السنين فهو غير ملزم بها، لأن تكذيبها في هذه الحالة أقوى من تصديقها.

يقول المؤلف في السبب الثامن: "النبوة طريق عملي للسير في سبيل الحياة." وأقول: يمكن أن يكون هناك قدوات في كل عصر وفي أكثر من مجال من مجالات الحياة. أما النبي فهو قدوة سيئة لمن لم يعاصره، وذلك بسبب اختلاف الزمان والمكان والظروف. وأيضاً بسبب تناقض الروايات عنه، فلا يكاد يُعرَف ما الذي فعله على وجه اليقين.

بعد الانتهاء من تعداد أسباب حاجة البشر للمدد الإلهي، يقول المؤلف: "وللمرء أن يتصور طرقاً مختلفة لإبلاغ الرب عباده بما يريد." كلام المؤلف هنا يناقض كلامه في بداية الفصل حينما حصر بلاغ الله للبشر في طريقين: النبوة والمعرفة اللدنية. هذا دليل على أن المؤلف غير استقصائي. هو فقط يكتب ما يخدم توجهه ويتغافل عما سواه. المشكلة أن القرآن قد حدد عدة طرق للتواصل مع البشر في الجملة: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولً}. المؤلف ضرب صفحاً عن هذه الطرق المحتملة ولم يناقشها!

يقول المؤلف: "ولكن تبقى صورة تبليغ الرسالة عن طريق بشر عاقل من خيرة قومه." على الرغم من الأسباب التي ساقها المؤلف قبل إيراد هذه العبارة، إلا أني أجد كلامه هنا بلا دليل! كلامه مبني على اعتقاد مسبق فقط، والشاهد على ذلك قوله "من خيرة قومه." فهو لم يناقش مكانة النبي في قومه سابقاً، فقط أقحم "من خيرة قومه" لأنه مؤمن بأن نبيه من خيرة قومه! هذا، ولو كان المؤلف يؤمن بطريقة أخرى غير النبوة يتواصل بواسطتها الإله مع البشر، لقال عنها مثلما قال عن النبوة!

في الصفحة ٣٠ يكتب المؤلف: "خلاصة الكلام .. الإنسان محتاج للنبوة." هذه الخلاصة غير مقنعة بالنسبة لي، وهي غير مسبَّبة بأسباب مقبولة، ولقد اعتسفها المؤلف اعتسافاً بناءً على إيمانه المسبق. لذا سأتوقف عن قراءة الكتاب هنا!

هناك 3 تعليقات:

  1. احسنت، أرجو أن تستمر في قراءة الكتاب.

    ردحذف
  2. إطلعت على الكتاب وما يهمني منه كمحايد حين تصفّح براهين النبوة هو معرفة الدليل على أن النبي محمد مُرسل من الله ومُبلّغ عنه .. لا يبدأ المؤلف بالحديث عن ذلك الا في الباب الثاني وبعد ٧٠ صفحة من المقدمة.

    الدليل الأول على نبوة محمد حسب كلام المؤلف هو سيرته .. أما وجه الدلالة في ذلك فهو:
    ١- أن سيرته محفوظة
    ٢- كمال اخلاق النبي
    ٣- معجزاته المادية

    لو سلّمنا جدلا ان سيرته فعلا محفوظة، فهل هذا دليل كاف على أن الله يتحدث معه ؟ أعرف اشخاصا اليوم سيرتهم محفوظة وموثّقة اكثر من النبي محمد وسندهم في ذلك أقوى وبالصوت والصورة والفيديو، مسجلة ومنذ ولادتهم .. هل لو ادّعى احدهم أنه يتخاطب مع السماء نصدّقه ! .. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى هناك مآخذ كثيرة على تلك السيرة "المحفوظة" حتى أنّ بعضا من أهلها يحاولون نفي بعضا مما جاء فيها او ترقيعه.

    اما الحديث عن كمال اخلاق النبي فمنبعه العاطفة الجياشة لدى المؤلف ولا ألومه على ذلك إذ يصعب أو ربما يستحيل على المسلم أن يكتب شيئا باسمه الصريح يخالف فيه ما هو معلوم من الدين بالضرورة ولو حاول أن يبدو ناقدا فاحصا كما يزعم .. لا يمكن ذلك حتى يتجرد من عباءة دينه. هو مثل حديث مشجع متعصب لنادي ما .. لا يمكنه ان يرى من ناديه المفضل الا ما يحلو له من فوز وتحقيق بطولات.

    بالنسبة للمعجزات "المادية" التي ذكرها المؤلف كانشقاق القمر وحنين الجذع وحادثة الإسراء فهناك ما لا يعد ولا يحصى من "المعجزات" التي زعم اصحابها من مختلف الملل أنهم يتواصلون مع كائنات غيبية .. المؤلف اختار فقط أن يقبل ب "معجزة" محمد وينكر "المعجزات" الأخرى لأنه وببساطة نبيه الذي ورث تصديقه كما ورث دينه.

    الدليل الثاني على نبوة النبي حسب كلام المؤلف هو القرآن ويبدأ ذلك في الصفحة ٢١١ ويستغرق المؤلف ثلثي الكتاب في تفصيل هذا الدليل القرآني .. كيف أستدل أنا على نبوة شخص بكلام أتى به هذا الشخص ليتحدث فيه عن نفسه ؟ أليس هذا مايسمى بمغالطة الإستدلال الدائري مثل ما يحاول أحدهم أن يثبت وجود الآيرمان بظهوره في سلسة افلام الآيرمان !

    واخيرا اجتهد المؤلف في عرض افكاره وتنظيمها ولكن في رأيي المتواضع وعلى عكس عنوان الكتاب هو لا يقدم أي برهان إطلاقا على نبوة محمد، ولست متفاجئا من ذلك .. علماً أن المسلم لا يحتاج اصلا الى ذلك، مع أن الكتاب وكما يظهر لي موجه للمسلمين.

    م. م.

    ردحذف
  3. كمية المغالطات في كلامك!! أيضا ألاحظ أنك لازلت تكرر شبهات غبية أكل عليه الدهر مثل السبي و العبودية مثل التعليق اللي فوقي

    ردحذف

ماذا تعني الخصخصة في ظل نظام حكم مستبد؟

  كثيراً ما يتم تقديم «الخصخصة» كأحد الحلول الاقتصادية الناجعة للدول التي تعاني من عجز مالي أو أزمات اقتصادية. قد تُطرح الخصخصة كتوصية من قِ...