كثيراً ما يتم تقديم «الخصخصة» كأحد الحلول الاقتصادية الناجعة للدول التي تعاني من عجز مالي أو أزمات اقتصادية. قد تُطرح الخصخصة كتوصية من قِبَل جهة مالية دولية مثل البنك الدولي، وقد تُطرح كمبادرة ذاتية من حكومة البلد الذي يعاني مشاكل اقتصادية.
الخصخصة تعني نقل ملكية مؤسسة عامة تابعة للدولة (قطاع عام)، مثل مؤسسة القطارات أو المياه، إلى ملكية القطاع الخاص. وغالباً ما تستولي شركة مساهمة عامة على المؤسسة الحكومية في اكتتاب شعبي يشارك فيه الأفراد والشركات وفق نسب تحددها الدولة. وبمجرد انتهاء الاكتتاب، تتخلى الدولة عن ملكية أصول المؤسسة العامة، وتبدأ مرحلة انتقالية لنقل إدارة المؤسسة إلى الشركة الوليدة.
الخصخصة فكرة رأسمالية بحتة، وهي تزداد توسعاً كلما ازدادت الرأسمالية تطرفاً. ولقد رأينا هذا في ثمانينات القرن العشرين في بريطانيا مثلاً، عندما قويت «النيوليبرالية» في عهد رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر، وتم خصخصة الكثير من المؤسسات العامة هناك، مثل البريد الملكي وسكك القطارات.
وسواء اتفق المرء مع الفكرة أو لا، إلا أن للخصخصة مبررات اقتصادية في الدول الرأسمالية التي تتمتع بدرجة عالية من الرقابة الشعبية والمحاسبة. لكن المشكلة تكمن عند تطبيق الخصخصة في دول استبدادية تنعدم فيها الرقابة والمحاسبة الشعبية على الحكومة. في هذه الحالة، تتحول الخصخصة إلى شبهة فساد كبيرة يصعب معرفة حقيقتها.
ففي الدول المستبدة، لا يمكن للناس معرفة مصير الأموال التي حصلت عليها الحكومة مقابل بيع القطاع العام. فمن المفترض أن تتحول تلك الأموال إلى الخزينة العامة ويتم صرفها على ما يخدم الناس، مثل البنية التحتية والأمن والتعليم. أو يتم استثمارها في صناديق سيادية لتعود بمردود مالي تستفيد منه الدولة مستقبلاً فيما يخدم الناس. ولكن هذا لا يتحقق غالباً، وتنتهي الأموال المجموعة إلى حسابات خاصة أو تتلاشى في مشاريع فاشلة.
بند آخر لا يمكن معرفة مصيره في الدولة المستبدة هو الأموال التي وفرتها الحكومة بعد الخصخصة، والتي كانت تصرفها على القطاع الذي باعته كمرتبات وصيانة وتشغيل إلخ. هذه الأموال المتوفرة يجب أن تظهر في الميزانية العامة وأن يلمس الناس أثرها الإيجابي على حياتهم. فالحكومة سوّقت الخصخصة للناس على كونها ستوفر في ميزانية الدولة، ولكن هذا يبقى مجرد شعار تسويقي في ظل الاستبداد لأن الناس لا يستطيعون معرفة مصير تلك الأموال فعلاً.
الإشكالية الثالثة في خصخصة القطاع العام في الدول المستبدة تكمن في التأكد من رفع الحكومة يدها فعلاً عن المؤسسة المخصصة، وأنها باتت مستقلة بشكل فعلي. وطبعاً، لا يمكن معرفة هذا مع انعدام الحرية والشفافية في الدول القمعية. فالحكومة المستبدة قد تخصخص مؤسسة أو شركة عامة وتأخذ أموال الناس، ولكنها تُبقي سيطرتها وهيمنتها على تلك المؤسسة أو الشركة (بما يتجاوز المعلن عنه)! فتتحكم بقراراتها بشكل مباشر وتستقطع لنفسها حصة الأسد من إيراداتها السنوية، والناس لا يدرون أو لا يستطيعون الاعتراض!
وفي المحصلة، الخصخصة لن تحل المشاكل الاقتصادية في أي بلد قمعي مستبد. فمشاكل هكذا بلد ليست اقتصادية بالأساس، وإنما سياسية وحقوقية. ومتى ما تم حل تلك المشاكل السياسية والحقوقية ستنحل المشاكل الاقتصادية وغيرها من المشاكل. أما استخدام الخصخصة بمفردها في هكذا بلدان فلن يحل أي مشكلة، بل على العكس سيزيد الفساد وسيعمّق المشكلات أكثر وأكثر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق