وصلتني رسالة تنصحني بقراءة كتب د. سامي عامري التي ناقش فيها مسألة الإلحاد، علّني "أهتدي وأعود إلى طريق الحق". لم أكن أعرف د. سامي مسبقاً، ولذا بحثت عن مؤلفاته ووجدت منها سلسلة «لماذا أنا مسلم». اخترت قراءة الكتاب الثاني المعنون بـ «براهين النبوة والرد على اعتراضات المستشررقين والمتنصرين» من إصدار «مركز تكوين للدراسات والأبحاث». السبب الذي دعاني لاختيار هذا الكتاب وتجاوز كتاب «براهين وجود الله» هو رغبتي في معرفة البراهين التي سيحاجج بها المؤلف لكي يثبت صحة دينه أمام الربوبي أو المؤمن بإله آخر.
بدأ «تمهيد» الكتاب من الصفحة ١٥. لقد شعرت من أولى الصفحات أن المؤلف يخاطب المؤمنين بدينه (الإسلام). وكأنه وضع الكتاب من أجل الحفاظ على إيمان المؤمنين والرد على شكوكهم، وليس من أجل إقناع غير المؤمنين بالإسلام ابتداءً.
في مطلع الصفحة ١٧ أعلن الكاتب أن إنكار نبوة محمد هو خيار غير منصف (أي ظالم) وضرب من ضروب الشك الـمَرَضَي. لم أحبذ هذا الاتهام في التمهيد، خاصة وأن الكاتب لم يكن قد ناقش أو قدم أي دليل حتى الآن! لم يكتفِ الكاتب بذلك الاتهام، بل أردف يقول أنه وضع كتابه بناءً على قناعة مسبقة، وأنه ليس محايداً سلبياً بحسب تعبيره، وإنما هو فقط يعرض الآراء بأمانة ثم يختار منها ما يراه صواباً (هذا مقتضى كلامه). في الحقيقة، فكرت بعد قراءة هذا الكلام أن أتوقف عن قراءة الكتاب، ولكني آثرت عدم التسرع في الحكم!
شجعني على الاستمرار في قراءة الكتاب ما ساقه المؤلف وسط الصفحة ١٧ ذاتها عندما قال: "هذا الكتاب خلاصة تجربتي". ظننت أن الكاتب كان كافراً بالإسلام، ثم آمن به بعد عملية بحث في الأديان ومقارنة بينها. لقد أكد المؤلف على صواب الإسلام بأقوى العبارات، ولكنه قال: "قد نظرتُ في أبرز العقائد الكبرى اليوم في العالم". فسألت نفسي: لقد نظر المؤلف في "أبرز العقائد" فقط وليس في "كل العقائد"، فما يدريه لعل الصواب في تلك العقائد التي لم ينظر فيها؟ كلام المؤلف هنا دليل على أن الإنسان لا يمكنه دراسة كل الأديان واختيار ما يراه صواباً منها. فلا جهده ولا وقته يسمحان له بالقيام بهذه المهمة المستحيلة. ولذلك نجد أغلب البشر يعتنقون الأديان والأفكار التي وُلِدوا ونشؤوا عليها.
في الصفحة ١٨ ظهر لي ملمح من عدم حيادية المؤلف، حيث كتب: "بعيداً عن هوس القراءة التآمرية -كما عند طائفة المستشرقين- أو القراءة التمجيدية الشاعرية -كما عند بعض الوعاظ المسلمين-". لقد حصر المؤلف القراءة التمجيدية الشاعرية -التي يراها سلبية- على "بعض الوعاظ" المسلمين فقط. ولكنه نسب "هوس القراءة التآمرية" إلى طائفة المستشرقين ولم يستثني منهم أحداً!
في الصفحة ١٨ أيضاً نسب المؤلف إلى أرسطو قوله أن الإندهاش هو أصل النظر الفلسفي. لا أناقش صوابية هذه العبارة من عدمها هنا، ولكني كنت أتوقع من المؤلف أن يورد المصدر الذي استقى منه هذه المعلومة، ولكنه لم يفعل!
بعد إيراده كلام أرسطو دون إحالة، أعلن المؤلف في الصفحة ١٨ ذاتها عن أول ملامح منهجيته في إثبات النبوة، وهو ما أسماه «الانسلاخ» ويعني به: "أن يتخلص الباحث ما استطاع من ثقافة العصر ليعيش بعقله وروحه في جزيرة العرب، مع ثقافة العرب منذ ما يقارب خمسة عشر قرناً"! لقد صدمتني هذه السلفية الفاقعة جداً! كلام المؤلف هذا يعني أن الإسلام دين محلي محدود الزمان والمكان، وأن كل من أراد الإيمان به يلزمه العودة بالزمن إلى القرن السادس أو السابع الميلادي!
المشكلة أنه حتى نعود إلى تلك القرون البعيدة، فنحن نحتاج لتاريخ يقيني يعطينا صورة تفصيلية ومحايدة لها. وللأسف، فنحن لا نملك هكذا تاريخ كما هو معلوم! فتاريخ بداية الإسلام يشوبه الكثير من الغموض. إذ لا نملك شيئاً عنه سوى ما وصلنا من تدوينات قليلة كتبها مسلمون بعد عدة قرون من وقوع أحداثه. وحتى لو كان هذا التاريخ يقينياً، فإنه ليس في صالح الإسلام، كونه قد احتوى الكثير من الفضاعات والمآسي زمن البعثة النبوية، وخاصة في المدينة، مثل: إقامة الحكم الديني المستبد ومصادرة حريات الناس والتضييق على الفنون والعلوم، شن الغزوات وإرسال السرايا وفرق الاغتيال، ترسيخ العبودية والغزو والسبي، تشريع التمييز الديني وتهجير الناس عن أراضيهم ومصادرة أموالهم، وغير هذا. وليس هناك إنسان عاقل يريد إعادة ذلك!
وحتى لو تساهلنا مع المؤلف وأخذنا بفكرة الانسلاخ، فهل يمكن لشخص غير مسلم اليوم يريد اعتناق الإسلام أن يتجرد من كل الأفكار والمبادئ والتقاليد التي تربى عليها ورسمت شخصيته وحددت طريقة تفكيره، وأن يتقمص شخصية إنسان نشأ في القرن السابع الميلادي؟ أعتقد أن هذا أمر مستحيل، وهو غير قابل للتحقق إلا في أفلام الخيال العلمي!
ولنستمر بالتساهل مع المؤلف، ونفترض أن هناك "كافر" عربي اليوم استطاع الانسلاخ من حاضره، وقَبِل التاريخ الذي يرتضيه المؤلف، وآمَن وفق أفكار وعادات القرن السابع. هذا الشخص لن يستطيع حبس نفسه في الماضي، وسيضطر للتعامل مع الحاضر. فكيف سيفعل هذا والحاضر لا يكاد يشبه الماضي في شيء؟ كيف سيندمج مع الحاضر ويكون عضواً إيجابياً فيه، مع معالجة كل التناقضات الفكرية والاجتماعية والسياسية والعلمية المهولة التي ستواجهه؟! أظن إنه سيفشل حتماً.
أما "الكافر" غير العربي فمشكلته أكبر! فبالإضافة إلى مشكلة الزمن، فإن على غير العربي أن يتجاوز مشكلتي المكان والثقافة أيضاً. إذ عليه أن يعرف اللغة والبيئة والأماكن والقبائل والعادات والأفكار العربية، ليس الآن بل في القرن السادس والسابع. فلا يكفي أن يعرف الياباني أو الأرجنتيني شرائع الإسلام، بل عليه أيضاً أن يدرس لغة وتاريخ وثقافة وبيئة العرب زمن النبوة حتى يحقق الانسلاخ ويؤمن بالإسلام! أظن أن المؤلف قد أسقط نفسه بنفسه هنا، وأساء إلى قضيته وجعل الراغبين في التعرف على الإسلام -الذين من المفترض أن يخاطبهم الكتاب- يكرهون الإسلام وينفرون منه! ومع ذلك سأستمر في قراءة الكتاب علَّ وعسى أن أهتدي!
استمر المؤلف في شرح "الانسلاخ" وقال: "أن تعيش عصر البعثة لتتمكن من تقديم تفسير مرضي لظهور الإسلام". كلام المؤلف هذا يجعل الحجية التاريخية لازمة للإيمان. ولكن التاريخ كما أسلفتُ ليس يقينياً ولا يمكن التثبت من صحته، خاصة في حالة الإسلام الذي يخلو تاريخه الأول من الأثار المادية والتوثيق المحايد في زمنه. وبالتالي، فسقوط حجية التاريخ يجعل الإيمان بالدين ساقطاً بالتبعية.
جاء المؤلف بالباقِعة في نهاية الصفحة ١٨ حين جعل تبني الانسلاخ ضرورياً لقبول الإجابة على سؤال: "هل ظاهرة النبوة المحمدية تقبل التفسير المادي الطبيعي ضمن ثقافة العصر لتكون الرسالة صنعة البيئة وبنت المجتمع، أم تأباه؟" فما هو الجواب الذي يريدنا المؤلف أن نقبله؟ إنه هذا: "فلا سبيل لتفسيرها [أي النبوة] إلا باستدعاء الخارقة الطبيعية المتمثلة في السلطان الإلهي الذي عطل سنن الكونية الرتيبة بظاهرة النبوة العجيبة"!! يُفهَم من كلام المؤلف هنا أنه لا يملك دليلاً مقنعاً على صحة النبوة، حتى ولو حققنا الإنسلاخ! وأنه حتى نقتنع بصحة نبوة محمد تحديداً، فإن علينا القبول مسبقاً بفكرة المعجزات التي لم نشهدها وليس عندنا دليل يقيني عليها! كلام المؤلف هذا أعتبره إعلان استسلام منذ البداية! فمن الواضح أن المؤلف لا يملك دليلاً على صحة نبوة محمد، ولهذا يحاول إقناع القارئ بقبول فكرة "الانسلاخ" الساذجة، ثم يجعل التاريخ (بما فيه من معجزات مزعومة) يقوم مقام الدليل الذي يفتقده! يريدنا أن نأخذ بالرواية التاريخية التي يقبلها هو، ثم نؤمن بالإسلام! فما الحاجة عنذئذ لهذا الكتاب؟ يمكن للمؤلف أن يدلّنا على سيرة ابن هشام مثلاً أو أحد مختصاراتها ويقول لنا: هذا الدليل على صحة الإسلام، فآمنوا! كما يمكن لأي مؤمن بأي دين أن يحاججنا بتاريخ دينه ومعجزات نبيه ويطالبنا بالإيمان، فهذا ليس حكراً على الإسلام.
أود الإشارة هنا إلى أمر يعاني منه المؤمنون بالأديان الإبراهيمية وهو استجداء الدليل من غير جنس المسألة محل البحث. فبدل أن يحاول مؤلف هذا الكتاب مثلاً إقناعنا بصحة نبوة محمد على ضوء أدلة يمكن فحصها والتوثق منها، فإنه يحيلنا إلى التاريخ الذي احتوى معجزات النبي! ولسان حاله: آمنوا بالله المتخفي واقبلوا بأولي الأمر وطبقوا الحدود واقمعوا النساء واطلبوا الجهاد واتخذوا الإيماء والعبيد، افعلوا كل هذه الأشياء لأن هناك كتاب تاريخ حكى قصة رجل عاش قبل ١٤ قرناً وشق القمر! فعوضاً عن الإتيان بأدلة حقيقية قابلة للفحص في مجال الآثار والاجتماع والاقتصاد والعلوم الطبيعية، يعطينا المؤمنون أدلة زائفة من خارج السياق تعتمد على الروايات والميتافيزيقيا! وهذا يذكرني بقولهم القرآن من عند الله، ليس بسبب حجية الأفكار والأخبار الواردة فيه حصراً، وإنما بسبب أسلوبه الأدبي "المعجز"!
لقد خرجتُ برأي سلبي عن الكتاب بعد قراءة تمهيدة. ومع ذلك، لا يمكنني إعطاء حكم نهائي في الكتاب من مجرد قرائتي لمقدمته. فربما أن المؤلف قد عالج التساؤلات والاعتراضات التي ناقشتها أعلاه في فصول الكتاب اللاحقة (وهو ما يبدو أنه قد فعله بالنظر إلى فهرس الكتاب). ولكني سأكتفي في هذه المقالة بما دونته فيها، وسأكمل استعراض ما بقي من الكتاب -إن استطعت إكماله- في مقالة قادمة.
شكرا لكتابة رايك عن الكتاب و يؤسفني انك توقفت في كتابة الاستعراضات. يقوم د. سامي برد على الاعتراضات على باتريشا كرون و ونسبرو في الصفحات القادمة، مع اني اجد الردود انحيازية إلى حد كبير و الكتاب يصبح اصعب وأقل عقلانية واكتر تحايزا كلما تقتدمت في القراءة. من العجب أن يعتبر الكاتب نفسه منصفا بهذا التفكير!
ردحذفومع كل هذا أتطلع لقراءة ردك على أجوبة د. سامي، أرجو أن تستمر.
كم أنت سطحي مضحك
ردحذففعلا والله، كلامه مثير للسخرية بشكل مضحك من فقرته الأولى، لا أدري بصراحة كيف شخص بهذه العقلية ويرى نفسه أهلا للتصدّر أو الكتابة، الواحد يضن بوقته عن تبيان هراء مثل تلك العقليات.
ردحذفغريب والله تدعي أن هذا الكتاب غير محايد في نفس الوقت تمدح كتاب عزيزي الله العاطفي و الخالي من الحياد ،مغالطات !!
ردحذف